الزواج والرق في الاسلام المبكر قراءة فقهية نقدية من منظور نسوي

من النِّسوية إلى النساء

(1)

لماذا نقدم هذا الكتاب؟ سبق أن شاركنا في ملف الخطاب الديني النِّسوي بترجمةِ كتاب: «بنات إبراهيم: الفكر النسوي في اليهودية والمسيحية والإسلام»، تحرير: إيفون يازبيك حدّاد وجون إسبيتوزيتو، وقد ترجمتُه بالاشتراك مع الصديق هشام سمير، وصدر عام (2018م) عن دار الروافد الثقافية – ناشرون، وابن النديم للنشر والتوزيع، والذي لاقى انتشارًا وقراءةً جيدة. وكان ذلك الكتابُ قد احتوى ستة فصول، بواقع فصلين لكلٍّ من اليهودية والمسيحية والإسلام. وصحيحٌ أن هذه الفصول قد تناولت الخطاب الديني من منظورٍ نِسويّ، إلا أنها جنحت إلى حدٍّ ما نحو النِّسوية أكثر ما تعمَّقت في الخطاب الديني على مستوى الأدبيات الثانوية خصوصًا، حيث تناولت بعض النصوص الأساسية (الوحي) لهذه الأديان بالتحليل النِّسوي، دون تفصيل وبيان أفكارها من خلال عرض ونقد النصوص التحليلية الدينية الثانوية لأرباب هذه الديانات وأئمتها، وكانت هذه الملاحظة ظاهرةً بصورةٍ أكثر في الورقتين الإسلاميتين على وجه الخصوص. ولأجل ذلك قدَّمتُ لهذا الكتاب بمقدمةٍ بحثية سمتها: «من النِّساء إلى النِّسوية» أردت من خلالها أن أبيِّن نقاط الانطلاق من النصوص الدينية وموقفها من المرأة، وما آل إليه التصور النسوي بعد ذلك.

ومنذ صدر ذلك الكتاب، وأنا أرغب في الوقوف على دراسات أكثر جِدّية تتعلق بالمرأة على المستوى التطبيقي في الفكر والفقه الإسلامي خصوصًا، ومن منظورٍ نسوي أيضًا، كي تكون مسبارًا يمكن من خلاله تقييم مدى جدية وجدوى هذا المنظور وتحليله لقضية المرأة. وخلال تلك الفترة قرأتُ العديدَ من الأوراق والكتب النّسوية التحليلية والنقدية للأدبيات الإسلامية، بعضها عربية – ومستواها العام ليس بالجيد -، وأغلبها بالإنجليزية، حتى رأيتُ أن من المناسب أن نُخرِجَ هذا الكتاب باللغة العربية، فقد كان اختيارًا مثاليًّا للهدف الذي أريده منه. فهو خطاب تحليلي ونقدي نِسويّ، نسويّ الروح حيث كتبته باحثةٌ امرأةٌ ونسوية، وهو خطاب غربي ناتج من الأكاديمية الغربية بتقاليدها ومجالاتها البحثية الأوسع التي تتسم بالمقارنة والبنيوية والأنثروبولوجية وشيء من الحياد والتحيزات أيضًا، وهو خطاب مسلمٌ أيضًا، فمؤلفته أمريكية مسلمة، بمعنى أنها رغم عدم تبنِّيها أيدولوجيا إسلامية معينة إلا أنها مرتبطة عاطفيًّا بالإسلام ولا تنطلق من أي موقف عدائي أو منفصم عن الإسلام روحيًّا وعقليًّا، وهو خطاب ينطلق من واقع النصوص التأسيسية للفقه الإسلامي وفق المذاهب الثلاثة الكبرى فيه: الحنفية والمالكية والشافعية، ويستعمل هذه المدونات بمهارة، مع قدرة مقارنة جيدة، سواء بالأديان الأخرى، وبخاصة الخطاب الفقهي اليهودي، أو التصورات الحداثية والنِّسوية الجندرية الحديثة. كما أن الكتاب يتسم بمكانة بحثية ممتازة، وحظي بقراءات ومراجعات، وهو مرجع معتاد لأغلب الدراسات المتعلقة بالمرأة أو الزواج والطلاق في الفقه الإسلامي، ونسبة الاقتباس منه لافتة للانتباه. وبصفة عامة فإنّ مؤلفة الكتاب اسمٌ معروف بين الباحثات المعاصرات النسويات عمومًا والمسلمات خصوصًا.

يبدو هذا الاختيار مثاليًّا إذن كنموذج تطبيقي على ما سبق تقديمه من تنظير في الكتاب سالف الذكر «بنات إبراهيم». وبعيدًا عن صِمة النِّسوية سيئة السمعة، فإن هذا النوع من الدراسات قد تكون ضرورية في بعض الأحيان – كالكورتيزون سيئ السُّمعة أيضًا –، ولو اتسمت ببعض المبالغة أو الثورية الرسالية أو الأدلجة الحماسية أو حتى بعض الخشونة؛ كي تلفت انتباهَنا إلى بعض تناقضات خطاباتنا، أو بعض أوجه القصور والنقص فيها، خاصة حين تكون في بعض الأحيان بمثابة أنّةِ متألِّم أو استغاثة غريق، فإنها تكون مفيدةً ولو اتسمت ببعض التجاوزات. إنّنا إذا استطعنا التعاطي مع بعض هذه الخطابات النسوية التي تتسم بالإنصاف والجدية العلمية، وليس الخطابات العبثية أو العدمية أو الهدمية غير المنهجية؛ فإن الخطاب الديني هو المستفيد الأول وليس المرأة فحسب. وذلك بشرط أن نؤمنَ أيضًا أن الخطاب الفقهي فيه مساحات واسعة من الاجتهاد والنِّسبية، وليس كله قطعيًّا أو متفقًا عليه أو غير قابل للتطور والتغيير، وأن نملك القناعة قبل/ ثم القدرة على فرز القطعي الثابت من النسبي المتغير. وأن نؤمن أن واقع الحياة قد اختلف، وأن دور المرأة الآن وطبيعة مكانتها في المجتمع ليس كما كانت من قبل، ولن تعود. لقد عبَّرتُ هنا بالتعاطي لأن مثل هذا النوع من التفاعل العلمي لن يؤتيَ ثمارَه إذا ظلّ في أجواء الصراع أو التحدي أو سوء النيات القَبْلي. إذا وُجد الإخلاص وحُسن النية من الجانبين فإن مثل هذا الحوار قد يُجدي نفعًا كبيرًا للجانبين. إنني على المستوى الشخصي، وبعكس ما قد يظنُ البعض، منفتحٌ تمامًا على الخطاب النسوي الراشد وبحثه في الخطاب الديني، بشرط أن يكون راشدًا، بمعنى أن يتسم بالجدية والعلمية والموضوعية، وألا يتجاوز الأصول النصية القطعية التي لا يكون المسلم مسلمًا من دونها، وأن يمد يده بالتعاون مع الخطاب الديني التقليدي المترسّخ عبر القرون في سبيل تحسين وضع الخطاب الديني والنساء معًا، وليس النساء فحسب. بمعنى أنه على الجانب الآخر، على الخطاب النِّسوي أن ينظر إلى الخطاب الديني باعتبار أن إصلاحه في صالح الدين كله، وليس باعتبار أن إصلاحه واجب – بصورة برجماتية – لأجل اكتساب مصالح معينة للمرأة فحسب، ففي النهاية: المرأة جزء من الدين، والأديان نزلت لأجل الرجال والنساء معًا، فمصلحة الإصلاح مشتركة والهدف واحد. 

 ولأجل ذلك، وكما صنعتُ في تقديم الكتاب السابق «بنات إبراهيم» مقدمةً بعنوان: «من النساء إلى النسوية»، نعود هاهنا، وبما أننا في سياق بحثٍ تطبيقي، فأقدم لهذا الكتاب مقدمة بعنوان: «من النسوية إلى النساء»، أقدِّم فيها بعض التحليلات والنقود لمقاربات الزواج في الفقه الإسلامي، راجيًا من الله تعالى أن يكون في الكتاب وتقديمه نفعٌ للقارئ العادي، وللمجتمع العلمي على حدٍّ سواء.

لقد حرصنا في ترجمة هذا النص أن يكون واضحًا وسلسلًا، وموافقًا للروح الذي أرادت مؤلفته أن تكون عليها، فهو دراسة عصرية الروح والأسلوب وإن كانت تتناول نصوصًا عتيقة لفكر شرعي عريق، ومن ثَمَّ فقد التزمنا بنقل المصطلحات الشرعية التي أرادت المؤلفة أن تكون بصورتها الاصطلاحية: إلى المصطلح العربي، وعبَّرنا أحيانا عنها باللسان العصري حين أرادت المؤلفةُ ذلك. واستعملنا علامات الترقيم والإمالة والتوكيد بصورة وظيفية تفسيرية للنص. على أننا كعادتنا في جميع الترجمات المماثلة قد التزمنا نقلَ النصوص الحرفية من مصادرها العربية الأصلية، فرجعنا إلى جميع المصادر التي نقلت عنها المؤلفة كي نقتبس منها الاقتباساتِ نفسَها، وكي نتأكد أيضًا من صحّة فهمِنَا وفهمِ المؤلفة لبعض النصوص التي أشارت إليها في سياق تعبيرها عنها عرضًا أو نقدًا. كما لم نثقل الهامش بكثيرٍ من التعليقات، إلا في حالات ضرورية كان التعليقُ فيها لازمًا لتصويب خطأٍ مادّيٍّ، أو شرح إشكالٍ ما، أو عبارة غير دقيقة، أو لتعليق يستفيد منه القارئ، من غير تطويل ولا إكثار.

ولا يفوتني في نهاية هذا التصدير أن أتوجّه بالشكر للمؤلفة البروفيسورة كيشيا علي على حسن تواصلِها، وسماحها بالاطلاع على مسوَّدة الترجمة وتقديم بعض الملاحظات، وكتابة تقديمٍ خاص للترجمة العربية، والتنويه بها في حساباتها الشخصية. كما أشكر الزميلة الدكتور: نهى دياب، على مشاركتها لي في ترجمة هذا الكتاب، وما لمسته في عملها من إتقان وصبر واهتمام، فجزاها الله خير الجزاء. ولا أنسى أن أشكرَ جميعَ من ساهم في إتمام هذا العمل بالرأي أو المشورة أو المساعدة، وأخصّ بالذكر الصديق: رضا زيدان، على مساعدته في إكمال بعض نصوص هذا الكتاب. وأختم بشكر زوجتي الحبيبة: سارة عبد المؤمن، التي رافقَتْني بصبرٍ وتفانٍ أثناء أوقات صعبة كنت أنجِز فيها ترجمة هذا الكتاب والأعمال البحثية المتعلقة به، أثناء أسفار وفترات حظر في ظل جائحة كورونا العصيبة الكئيبة، فكتب الله أجرها وجزاها عنِّي خير الجزاء.

(2)

تنطلِق المؤلفةُ في هذا الكتاب من مقاربة ذكية، تلتقط من خلالها عمليةَ المقايسة والنمذجة المستمرة للزواج ضمن قالب: عمليات البيع والشراء – ضمن فقه المعاملات وفق التقسيم التقليدي للفقه الإسلامي -، وقالب: الرقّ. حيث استعمل الفقهاءُ، منذ العصور المبكرة لنشأة الفقه الإسلامي وتكوّن المذاهب الأساسية المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة؛ أحكامَ المعاملات، والرق، كليهما؛ لأجل تأسيس أحكام عامة وتفصيلية للزواج.

إنّ الفكرة الأساسية التي أريد بيانَها هنا، تعليقًا ونقدًا للفكرة الأساسية لكتاب كيشيا عليّ الذي بين أيدينا: هي تحليل وتعليل ذلك التعامل الفقهي مع الزواج بتصوُّر عَقْدِيّ يقارب المعاملات التجاريةَ أحيانًا ومعاملات الرقيق أحيانًا أخرى.

والحقُّ إن الإسلام ينظر إلى النكاح على أنه علاقة تعاقدية، وقد سمّاه الوحي: عقدةً لأنه يُعقَد. ولا ينفي هذا الأبعادَ العاطفية والروحية للزواج التي حثّ عليها الإسلام ونوَّه بشأنها كثيرًا، ولسنا في معرِض عرض ذلك وتحليلِه لظهوره وجلائه. فليس هذا البُعدُ التعاقدي الذي ينظُر به الإسلام للزواج شيئًا مذمومًا أو مُنقِصًا من قيمة الزواج الروحية والعاطفية، بل العكس، فإن الزواج وفق هذا التصور ليس علاقةً كليةً أبديةً يتماهى فيها الشخصان بحيث تنتفي الحقوق والواجبات ودور الإرادة بمختلف مراتبها بينهما، بل معنى العلاقة التعاقدية ثبوتُ هذه الحقوق والواجبات، وأنها متعلقة بمحلٍّ أو محالَّ مخصوصة فقط وليست كلية، ثم ثبوت ما يترتب على هذه الحقوق والواجبات من إجراءات عند التوافق وعند التخالف.

وانطلاقًا من هذا عرَّف بعضُ الفقهاء النكاحَ على أنه تمليك، ونُظِر إلى المهر أو الصداق على أنه نوع من الثمن مقابل المثمن أو المنفعة، بل لقد سمّاه الوحي أصلًا: أجرةً، واعتُبِر الطلاق بمنزلة العِتق، كما أنّ النكاح قابلٌ للفسْخ والإلغاء، وللحلّ من الجانبيْن، وللرفع للتقاضي، وغيرها من الإجراءات والمعاملات التي تجري على العقود كي تصحّ ويكون لها النفوذُ والاعتبار، وكي تدوم وتستمر حقيقةً أو حكمًا.

الذي أقرِّره أن ذلك النمط من التعامل له مستويان: مستوى المسوِّغ التشريعي، ومستوى المفهوم والفلسفة والقيمة. ويتضمن الجانب التشريعي جانبًا إيجابيًّا، كما يتضمن آخر سلبيًّا في المستوى التشريعي، والذي قد يمتدّ لجانب سلبي آخر على مستوى المفهوم والفلسفة والقيمة.

(3)

لِنبدأْ بالمسوِّغ التشريعي للتعامل الفقهي مع النكاح بمقاربته بأنماط المعاملات سواء في البيوع أو الرق – والرقّ نوعٌ من البيع لكنه نوعٌ خاص له أحكامٌ خاصة لتعلقه بآدمي -.

يتسم الفقهُ الإسلامي بنوعٍ من البرجماتية، فليس هو فقهًا مثاليًّا أو خياليًّا، يتجاوز الواقع، فيفشل في التعاطي معه ومعالجته وتقويمه، ولكنه يتعامل مع الواقع بتعقيداته، وبنزوع البشر فيه إلى الظلم والمشاحّة بسبب النقص المتأصِّل فيهم، ولكنه يضفي على ذلك الواقع أبعادًا قيميةً وإيمانية ليضمن التوازن المطلوب في شخصية المؤمن الصالح. إن النظرة التعاقدية للنكاح ترجع إلى مسوِّغ تشريعي واضح: إثبات الحقوق والواجبات بصورة محددة، يمكن معها التدخل لتقويم هذه العلاقة. ومع هذا يقرر الفقهاء أن الأصل في المعاملات الزوجية: الإحسان والمعروف، فلا تستقيم الحياة بمقاطع الحقوق دون المودة والرحمة والفضْل والإحسان، والمجال الأساس لهذه الحقوق الحدّية هو التقاضي لأنه محل الاختلاف والتشاحّ، ولذلك ففي حين يقرّر الفقيه الحنبلي الكبير ابن قدامة أنه لا يجب على المرأة خدمة زوجها في البيت من تنظيف وطبخ وغيره لأن «المعقود عليه من جهتها الاستمتاع، فلا يلزمها غيره»، فإنه يرجع ليُقرِّر أنّ «الأَوْلَى لها فعل ما جرت العادة بقيامها به؛ لأنه العادة، ولا تصلح الحال إلا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه»([1]).

لكنّ يبقى وجود هذه الحقوق بحدودٍ واضحة أمرًا ضروريًّا لتأطير هذه العلاقة بصورة لا يترتب عليها ظلمُ أي طرفٍ من أطرافها، ولأجل ذلك أجرى الفقهاءُ العمليةَ القياسية بين الزوجِ والأَمَةِ بجامع كون كليهما نوعًا من العقود على الانتفاع بالآدميّ.

ولأن الغالب في الأحكام الشرعية في أبواب المعاملات بين الناس بعضِهم وبعض هو العموم والإجمال، بخلاف الأحكام المتعلقة بالعبادات مثلًا: فقد بحث الفقهاءُ على ما يبدو في المسائل الشرعية المتنوِّعة لإكمال بعضِها ببعضٍ في محاولة لاستكناه مقاصد الشارع وسيرته التشريعية ومنطق تشريعه لسدّ الفجوات التي يحتاجونها في ممارساتهم العملية، سواء في الفتيا أو القضاء، والتي تحوَّلت بمرور الزمن إلى الكتب والدراسة([2]).

ومن ثَمَّ فلا جرم، استكملوا بعض أحكام النكاح، وبخاصة الأحكام التفصيلية التي سكتت عنها الشريعة بشكل صريح، فاستكملوا بعضَها من المعاملات التجارية، وبعضها من أحكام الرقيق، لأنّ هناك شوبًا جامعًا بين هذه الأبواب، فإذا بحث الفقهاء في المهر مثلًا، وأرادوا أن يستبينوا شروطَه، لجأوا إلى شروط الثمن في المعاوضات كالبيع والإجارة، وأخذوا منها ما يصلح لسدّ هذه الفجوة، وإن كانوا يختلفون بعد ذلك في مسائل تخص المهر لأدلة خاصّة به. ومثل ذلك يُقال في الأحكام التي يقيس فيها الفقيه أحكامًا للزوجية على أحكامٍ للرقّ.

من حيث المبدأ: أقول إن هذا الجانب من المسوِّغ التشريعي لاستعمال أحكام الرقّ أصلًا لأحكام الزواج، هو جانب طبيعي وإيجابي، يرجع إلى الطبيعة البرجماتية العمَلية والواقعية للفقه كما تقدَّم ذكره. وهذه الطبيعة البرجماتية الفقهية تيسِّر عملية التفقُّه والتشرُّع والاجتهاد في استنباط الأحكام، وتوفِّر الأدوات القانونية اللازمة للفقيه كي يولِّد الأحكام التي يتطلبها الواقع بصورة يومية. ولا يمكن نظريًّا أو عمليًّا أن يستكمل بناء تشريعي مفصَّل دون هذه الأدوات البرجماتية، وهذا هو الذي أعطى «القياس» هذه المكانة المركزية في الفقه الإسلامي. لنا أن نتصوَّر فقيهًا من أسلافنا يتعرّض يوميًّا لمسائل زوجية، في الفتيا أو القضاء، في تفاصيل ليس في النصوص المتعلقة بالنكاح تعلقًا مباشرًا ما يفيد حكمَها، ويلاحظ وجود نظائر يمكن أن يستفاد منها في معرفة طريقة الشارع في التشريع، ولكن في أبواب المعاملات الأخرى كالبيع والرق، ثم يقول الفقيه: «الزواج ليس رقًّا، وليس بيعًا ولا شراءً، إنه أسمى من ذلك وأنبل([3])، ومن ثَمَّ فإنني لا أملك الجواب على هذه المشكلة» مع ملاحظة أن ذلك في عالَمٍ كان الدِّين فيه – وليس أي تقنينات مَدَنية أخرى – هو الحَكَم الوحيد تقريبًا في المجال القضائي، من الناحية النظرية على الأقل بطبيعة الحال.

ولا يجب أن نغفل هاهنا عن أنّ الشارِعَ نفسَه قد دلَّ على اعتبار هذه الطريقة العَمَلِيّة: لقد شبَّه اللهُ حالَ التوحيد والشرك بحال الحرِّ والرقيق – وشبّه حال الموحّد بالرقيق السالم لمالكٍ واحد والمشرك بالرقيق الذي فيه شركاء متشاكسون – وشبّه النبيُّ صوتَ الوحيَ بصلصلة الجرس – وشبَّه رؤيةَ الله برؤية القمر – وشبَّه الزوجة بالأسيرة – ، إلى غير ذلك. وجميع ذلك التشبيه ضربٌ من المقايسة. فهل هذه التشبيهات والمقايسات – التي يصطلح العلماء على تسميتها بالأمثال -: هي تشبيهاتٌ من كل وجهٍ؟ وتستلزم المساواة؟ لا شكّ أن الإجابة: لا. فإن فلسفة التشبيه والمقايسة تعتمد أصلًا على وجود وجهٍ شبهٍ ما بين متغايرين مختلفين، ولو كان الشيئانِ واحدًا ما صحّ التشبيه أصلًا، لأن تشبيه الشيء بنفسه لا يفيد، إلا لغرض بلاغي، وهذا خارجٌ عن بحث الحقائق. ينطلق المتكلِّمُ في هذه النصوص – وهو حكيم بليغ – من طريقة عربية حدسية مباشرة([4])، تقصد إلى وجه شبه معيّن تريد إيضاحَه وتجليتَه، دون أن يستلزم ذلك أي معنًى أعمق من ذلك، اعتمادًا على أن طبيعة المستمع البسيطة والمباشرة والتلقائية تستحضر سلفًا أن التشبيه لا يستلزم المساواة في غير محل التشبيه. ومن ثَمَّ فإن المبالغة في إضفاء معانٍ أعمق على مثل هذه التعبيرات، يستلزم الخللَ في الإثبات أو النفي بالضرورة([5])، وهو ما ينشأ عنه «الإيهام التعبيري» بحسب مصطلحٍ فائقٍ للعالم الهندي الشاه أنور الكشميري.

فمن فهِم هذا المعنى؛ فهم طريقةَ تعبيرِ الوحي عن بعض معاملات الزواج بأوصاف البيع أو الرق، ثم فهِم استعمال الفقهاء – متوسِّعين – لهذا النوع من المقايسة والتشبيه، ولم يُشكِل عليه ذلك (من حيث المبدأ). فلا تعني هذه المقايسةُ التسويةَ، ولا تعني كذلك أن هذا يستلزم وجودَ خلفية معيَّنة في ذهنية الفقيه أو الفِقْه تسوّي بين الزوجة والعبد (وهذا من حيث المبدأ أصلًا)، فضلًا عن المفهوم الشرعي الذي هو منسوب للوحي نفسه([6]).

ولنعمِّق هذا التنظير من خلال التطبيق، نجد أن الفقهاء ظلُّوا في أحيانٍ كثيرةٍ واعين لوجود فروقٍ مؤثّرة بين النكاح والبيع، وأن وجود المقايسة بينهما لم يرفع هذا الفارق، الذي قد يختلف الفقهاءُ في تقديره بطبيعة الحال. ومن ثَمَّ اختلف الفقهاء في انعقاد النكاح بلفظ: البيع والتمليك والهبة، ونحوها من المعاملات الدائرة بين الرقّ والتصرف في الأعيان، فأجاز ذلك الحنفيةُ، ولكن منعه الشافعيّ لاختلافهما في ملاحظة الشَّبَه المؤثِّر من عَدَمِه. قال المرغيناني الحنفي مستعرِضًا هذا الخلافَ ومُحتجًّا له: «وينعقد بلفظ النكاح والتزويج والهبة والتمليك والصدقة. وقال الشافعي رحمه الله: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج؛ لأن التمليك ليس حقيقةً فيه ولا مجازا عنه؛ لأن التزويج للتلفيق والنكاح للضَّمِّ، ولا ضَمَّ ولا ازدواج بين المالك والمملوكة أصلًا.

ولنا [أي الحنفية] أن التمليك سببٌ لمِلْك المتعة في محلِّها بواسِطَة مِلْكِ الرقبة، وهو الثابت بالنكاح، والسَّبَبية طريقُ المجاز. وينعقد بلفظ البيع، وهو الصحيح لوجود طريق المجاز، ولا ينعقد بلفظ الإجارة في الصحيح؛ لأنه ليس بسبب لملك المتعة، ولا بلفظ: الإباحة والإحلال والإعارة؛ لما قُلْنا، ولا بلَفْظِ: الوصية؛ لأنها توجب المِلْكَ مُضَافًا إلى ما بعد الموت»([7]).

لقد لاحظ الحنفية هاهنا معنًى مشتركًا بين الزواج والتمليك الذي يقع بالبيع والهبة، إذ كليهما يتضمن ملك المتعة في الرقيق، بخلاف الإجارة لأنه لا إجارة توجِب متعةً في الآدمي كالتي تحدث بالزواج، لأن الرقيق لا يؤجّر ولا يستعار لأجل الاستمتاع، وهذه السببية من علاقات المجاز المرسل، فالحنفية ينصّون أن هذا النوع من الإطلاق التي يصحّحون انعقادَ النكاح بها إنما هو مجازٌ لا حقيقة. أما الشافعي الذي ينزع نحو إعطاء قيمةٍ أكبر للألفاظ كوسيلة لتصحيح العقود فإنه لا يلاحِظ في التمليك المعنى المؤثّر الذي هو مناط الانعقاد في النكاح أو التزويج، الذي هو الضمّ أو الاقتران.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقرأ باستمرارٍ في المدوّنات الفقهية مقارباتٍ لأحكام النكاح بأحكام الرقيق ومعاملات البيوع، وإطلاقاتٍ مثل أنّ «للزوج أن يؤدبها تعزيرًا لها؛ لأن للزوج أن يعزر زوجته كما للمولى أن يعزر مملوكَه»([8]). تلك البرجماتية التي ندلّل أنها من حيث الأصل لا تحمل خلفياتٍ مفهومية أعمق بأن الفقه لجأ أحيانًا، على سبيل المثال، إلى المقايسة على أحكام الرقيق أيضًا؛ في حُكم متعلّق بالأحرار عمومًا، رجالًا أو نساءً، في تقدير أرش الجنايات غير المقدَّرة في النصوص، فيقول النووي الشافعي مثلًا: «تجب الحكومة فيما لا مُقَدَّرَ فيه، وهي جزءُ نِسْبَتِه إلى دية النفس، وقيل إلى عُضْو الجناية، نِسبةُ نقصِها من قيمته لو كان رقيقًا بصفاتِه»([9]).

(4)

أين يقع الجانب السلبي إذن فيما يتعلق بالمسوِّغ التشريعي الذي يقارب النكاحَ برجماتيًّا بالرق؟ يقع الجانب السلبي في ما أسمِّيه: التمادي التشريعي في هذه المقاربة. إن المقاربة التي هي في الأصل نوع من الأداة الإجرائية التي يستعملها الفقيه في الاجتهاد وتتميم البناء الفقهي، تغفل عن أن النكاح ليس هو الرق في الحقيقة، وأن الرق نوعٌ من الظروف الطارئة على الأصل وغير الطبيعية، و-الأهم- التاريخية، التي لها كثيرٌ من الأحكام التي لا تُعتبر بالضرورة أحكامًا شرعيةً مُلزِمة. ومن هنا يتمثّل هذا التمادي التشريعي في مستويين: المستوى الأول: كثرة المقايسة وإسقاط أحكامٍ من الرق على النكاح مما يضخّم من حقوق الزوج ويقلِّل من واجباته والعكس بالنسبة للمرأة، والمستوى الثاني: بمعنى ابتناء أحكام للنكاح على أحكام باب آخر هي في ذاتها غير مؤسَّسة أصلًا على دليل قاطع، فيكون الأصل المقيس عليه ضعيفًا، حيث إن كثيرًا من أحكام الرق ليست باتّة أو مبنية على أدلةٍ متفق عليها أو صريحة أو قوية، فيُبْنَى عليها أحكام أخرى للنكاح، استرواحًا للأحكام الصحيحة أو المعقولة التي بُنيت للزواج على الرق، فيكون البناء برُمَّتِه ضعيفًا ومجحفًا.

ولنأخذ مثالًا على ذلك التوسُّع أو التمادي. ففي حكم القصاص بين الزوجيْن – إذا لم يكن بينهما ولد – ذهب عامة الفقهاء إلى أن القصاص يجري بينهما، ولكن رأى بعضُ العلماء أن الزوج إذا قتل زوجته فلا قصاص، والسبب أنّ «النِّكاحَ ضرْبٌ من الرِّقّ، فكان يجب أن ينتصِبَ شُبهةً في دَرْءِ القِصاص»([10])، وهو المذهب الذي نسبه القرطبي لليث بن سعد. ونسبه ابن قدامة للزهري أيضًا، وردَّ عليه، فقال: «وقال الزهري: لا يُقْتَلُ الزَّوجُ بامرأته؛ لأنه مَلَكَها بعَقْد النِّكاح فأشبه الأَمَةَ. ولنا: عمومات النص، ولأنهما شخصان متكافئان، يُحَدُّ كلُّ واحدٍ منهما بقَذْفِ صاحبه، فيُقْتَل به، كالأجنبيين. وقوله: إنه مَلَكَها: غير صحيح؛ فإنَّها حرة، وإنما ملك منفعة الاستمتاع، فأشبه المستأجرة؛ ولهذا تجب ديتها عليه، ويرثها ورثتها، ولا يرث منها إلا قدرَ ميراثه، ولو قتلها غيرُه؛ كان ديتها أو القصاص لورثتها، بخلاف الأَمَة»([11]).

فهذا من التمادي غير المرضي، إذ جعل الزوجة ملكًا لزوجها، فإن قتلها فلا قصاصَ! وهذا حرفٌ مُنتَقَدٌ جدًّا، إذ كيف يكون النكاحُ ضرْبًا من الرق وهو مخالف له في أغلب أحكامه، وليس ثَمَّ شبَهٌ بينهما إلا في جانب مِلْك البُضْع، وبعض سلطات تقييد حركتها في بعض الأحيان، فكيف يكون ضربًا من الرّق الذي من أحكامه البيع والشراء وعدم التملُّك فضلًا عن الأحكام المختلفة بينهما كالتي استعرضها ابن قدامة في ردِّه؛ لمجرد ذلك الشبه الجزئي، والمقرر لدى الفقهاء والأصوليين أن قياس الشبه (الذي هو مجرد الشّبَه بين شيئين وليس انقسامًا أو علاقة جزئية كما يقول هذا القائل: النكاح ضربٌ من الرق، أي أن قسم الشبه علاقة قَسِيميْن لا قِسْمَيْن) يكون فيه جانب الشبه أكبر من جانب الاختلاف (كأن يشتبه الشيئان في ثلاثة أوجهٍ من خمسة) على ما هو معلوم في بحث الأصول. فكما نرى هنا، أدّى التوسُّعُ في مقاربة النكاح بالرق إلى التمادي التشريعي الذي تسبب في حُكْمٍ شاذٍّ كهذا الحكم.

ولم تكن تلك المقاربة نزولًا من مكانة الزوجة الحقوقية إلى مرتبة الرقيق أحيانًا فحسب، بل كانت نزولًا إلى مرتبةٍ أقل في الحقوق في بعض الأحيان أيضًا. ففي بعض الأحكام كانت المزية للرقيق على الزوجة، كما في حكم لزوم النفقة على علاج الزوجة، حيث ذهب الجمهور إلى أن تداويها واجبٌ في مالها إن كانت غنِيّةً، وفي مالٍ مَنْ تلزمُه نفقتها إن لم تكن متزوجة إذا كانت فقيرة، في حين أن نفقة تداوي العبد على مالكه، «فالسيد أحقّ بنفقته [العبد] ومؤنته، ولهذا النفقة المختصة بالمرض تلزمه من الدواء وأجرة الطبيب، بخلاف الزوجة»([12]).

ثمة كثير من النظائر في أقوال الفقهاء، تبدو فيها المرأة غيرَ جديرةٍ بالنظر كإنسان كامل وشريك مكافئ في النكاح، له مِثْلُ الذي عليه بالمعروف.

نستعرض منها على سبيل المثال، مسألة الحد الواجب للزوجة في الوطء من الزوج، بمعنى حقّها في الممارسة الجنسية.

ولابد هنا من أن نسلِّم أولًا بأن هناك فروقًا نفسيةً ومادية بين الذكر والأنثى فيما يتعلق بالجنس. كما ينبغي أن نسلِّم أن ثمّة توكيدًا شرعيًّا كبيرًا لا يمكن تجاوزه على وجوب مطاوعة المرأة للزوج في تلبية رغبته الجنسية ما لم تكن معذورة. وذلك يرجع في الواقع لاختلاف طبيعة الممارسة الجنسية ومدى ملاءمتها وإمكانيتها والانفعال بها بين الرجل والمرأة، بحيث إن سرعة الرغبة الجنسية لدى الرجل تجعل تلبيته حاجةً ملحّة، كما أن قدرة المرأة على استيعاب الرغبة الجنسية للرجل أيسر من قدرة الرجل على الانفعال المطلوب لممارسة الجنس مع المرأة، ومن ثَمَّ لم يُلزِم الشرعُ الرجلَ بتلبية مماثلة لرغبة المرأة ولم يشدد عليه في ذلك بصورة آنية. ولكن المقصود بالبحث هنا أمرٌ أعم من ذلك، وهو الإقرار من حيث العنوان بمكافأة المرأة للرجل في الحق في الاستمتاع الجنسي المنتظم والدائم والذي يكفيها حاجتَها، والمقاربة من حيث العموم لهذا الحق الذي للمرأة في الفقه، مع الإقرار بهذا التفاوت الطبيعي والتشريعي.

ونستعمل هنا نصًّا جيدًا لابن القيم، لكونه يستعرض الآراء بصورةٍ نقديةٍ أولًا، ولكونه يطرح رؤية أحسن وأقرب لروح الشريعة في رأينا ثانيًا.

يقول ابن القيم: «وقد اختلف الفقهاء: هل يجب على الزوج مجامعةُ امرأتِه؟

 فقالت طائفةٌ: لا يجب عليه ذلك([13])؛ فإنه حقٌّ له، فإن شاء استوفاه وإن شاء تركه، بمنزلة من استأجر دارًا إن شاء سكنها وإن شاء تركها. وهذا من أضعفُ الأقوال، والقُرآنُ والسُّنَّةُ والعُرْفُ والقِيَاسُ يردُّه. أما القرآن فإن الله سبحانه وتعالى قال: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، فأخبر أنَّ للمرأة من الحَقِّ مِثْلَ الذي عليها، فإذا كان الجماعُ حقًّا للزوجِ عليها؛ فهو حقٌّ على الزوج بنصِّ القرآن. وأيضًا فإنه سبحانه وتعالى أمر الأزواجَ أن يعاشِروا الزوجاتِ بالمعروف، ومن ضِدِّ المعروف أن يكون عنده شابّةٌ شَهْوَتُها تعدِلَ شهوةَ الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة ولا يُذيقُها لذّةَ الوطء مرةً واحدةً. ومن زعم أن هذا من المعروف؛ كفاه طبْعُه ردًّا عليه. والله سبحانه وتعالى إنما أباح للأزواج إمساك نسائهم على هذا الوجه لا على غيره، فقال تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.

وقالت طائفة: يجب عليه وطْؤُها في العُمْر مرّةً واحدةً([14])، ليستقِرَّ لها بذلك الصداقُ، وهذا من جِنْسِ القول الأول. وهذا باطل من وجهٍ آخرَ؛ فإن المقصود إنما هو المعاشرة بالمعروف، والصداق دخل في العقد تعظيمًا لحُرْمَتِه وفَرْقًا بينه وبين السفاح، فوجوب المقصود بالنكاح أقوى من وجوب الصداق.

وقالت طائفةٌ ثالثة: يجب عليه أن يطأها في كلِّ أربعةِ أشهرٍ مرَّةً([15])، واحتجوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى أباح للمُولِي تربُّصَ أربعة أشهر، وخيَّر المرأةَ بعد ذلك إن شاءت أن تُقيمَ عنده وإن شاءت أن تفارِقَه، فلو كان لها حقٌّ في الوطء أكثر من ذلك؛ لم يجعل للزوج تَرْكَه في تلك المدَّة. وهذا القول وإن كان أقربَ من القوليْن اللذيْن قبلَه، فليس أيضًا بصحيح، فإنه غير المعروف الذي لها وعليها، وأما جَعْلُ مُدّةِ الإيلاء أربعةَ أشهر؛ فنظَرًا منه سبحانه للأزواج، فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مُدّةً لعارِضٍ من سَفَرٍ أو تأديب أو راحةِ نفْسٍ أو اشتغال بمُهِمٍّ، فجعل الله سبحانه وتعالى له أجلًا أربعةَ أشهر، ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطءُ مُؤقّتًا في كلِّ أربعةِ أشهُرٍ مَرَّةً.

وقالت طائفةٌ أخرى: بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف([16])، كما يُنْفِق عليها ويَكْسُوها ويعاشرها بالمعروف، بل هذا عُمْدَةُ المعاشرة ومقصودُها، وقد أمر اللهُ سبحانه وتعالى أن يعاشِرَها بالمعروف، فالوطء داخلٌ في هذه المعاشرة ولا بُدَّ. قالوا: وعليه أن يُشْبِعَهَا وَطْئًا إذا أمكنه ذلك، كما عليه أن يُشْبِعَها قُوتًا. وكان شيخنا [يعني ابن تيمية] رحمه الله تعالى يرجِّح هذا القولَ ويختاره»([17]). وهذا الأخيرُ بالأساس اختيار شيخه ابن تيمية الذي يقول: «يجب على الرجل أن يطأ زوجتَه بالمعروف، وهو من أوكد حَقِّها عليه، أعظم من إطعامها، والوطء الواجب قيل إنه واجب في كل أربعة أشهر مرة، وقيل بقدر حاجتها وقدرته كما يطعمها بقدر حاجتها وقدرته، وهذا أصح القولين»([18]).

وهذا نصٌّ حسَنٌ من ابن القيم في حق المرأة في الوطء، ولكن لنا عليه سؤال: فنقول: لم لمْ ينسب هذا القولَ الذي وصفه بأنه يوافق الكتاب والسنة والقياس والعرف إلى أحدٍ من المتقدّمين؟ إن هذا القولَ العادِل ليس قولَ الفقهاء الأربعة الكبار الذين عليهم مدار الأحكام الشرعية لدى المسلمين من أهل السنة والجماعة، وهذا يدل على ما نقوله من الفَرْق بين القطعي من الأحكام والاجتهادي الاجتماعي. القول الذي انتصر له ابن القيم وشيخه إنما هو تخريجٌ في مذهب الحنابلة، أو قول لبعض المتأخرين، ليس حتى نصًّا لأحمد([19]).

وأما أبو حنيفة فقد تقدَّم مذهبه أنه لا يجب لها الوطءُ في الزواج إلا مرةً. وأما الشافعي مثلًا فيرى أن الوطء ليس من حق الزوجة أصلًا، لأن «القَسْمَ على السَّكَن، لا على الجماع»([20])، فالزوجة سواء «كانت منفردةً به أو مع أَمَةٍ له يطؤها، أُمر بتقوى الله تعالى وأن لا يضرَّ بها في الجماع، ولم يُفرض عليه منه شيء بعينه، إنما يفرض عليه ما لا صلاح لها إلا به من نفقة وسكنى وكسوة وأن يأوي إليها، فأما الجماع فموضعُ تلذُّذٍ ولا يُجْبَرُ أحدٌ عليه»([21]). ويرى مالك فقط أن للمرأة حقًّا في الوطء، ولكن دون تحديد، حيث ينبغي عنده أن يُقال للزوج: «لَيْسَ لَكَ أَنْ تَدَعَ امْرَأَتَكَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، فَإِمَّا إنْ جَامَعْتَ، وَإِمَّا فَرَّقْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا»، «قَالَ ابنُ القاسِمِ: إلَّا أَنِّي سألتُ مَالِكًا عن الرجل يكفُّ عن جِمَاعِ امرأتِه مِن غيْرِ ضَرُورَةٍ ولا عِلَّةٍ؟ قال مَالِكٌ: لا يُتْرَكُ لذلِكَ حتى يُجَامِعَ أو يُفارقَ على ما أَحَبَّ أو كَرِهَ، لأَّنه مُضَارٌّ، فهذا الذي يدلُّكُ على الذي سَرْمَدَ العبادَةَ إذا طَلَبتِ المرأةُ منه ذلك أنَّ عِبَادَتَه لا يَقْطَع عنها حَقَّها الذي تزوَّجَها عَلَيْهِ مِنْ حَقِّها في الجِمَاع»([22])، ولكن لم يحدد مالكٌ ولا ابنُ القاسم الحدَّ الواجب للوطء، وسيأتي في مذهبه الآن الاختلافُ حول ذلك في مسألة الفسخ لأجل ترك الوطء.

كما أن التسوية، أو مطلق العدل، بين الزوجات في الجماع؛ ليس بواجبٍ اتفاقًا، إنما الواجب العدل في القَسم يعني البيتوتة والسُّكنى والنفقة. قال ابن قدامة: «ولو وطئ زوجته ولم يطأ الأخرى؛ فليس بعاصٍ، ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك والشافعي، وذلك لأن الجماع طريقة الشهوة والميل ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك، فإن قلبه قد يميل إلى إحداهما دون الأخرى»، «ولا تجب التسوية بينهن في الاستمتاع بما دون الفرج من القبل واللمس ونحوهما لأنه إذا لم تجب التسوية في الجماع ففي دواعيه أولى»([23])، وإن كانت التسوية أفضل بلا شك لأنها أبلغ في العدل. وكذلك أثناء العلاقة نفسِها، ليس ثَمَّ تكافؤٌ، فقد اختلف الفقهاءُ في العَزْل، بين من يُبيحه مطلقًا أذِنت أم لم تأذن الزوجةُ، وهم الشافعية، قالوا لأن حقها الاستمتاع دون الإنزال، ولكن يستحب استئذانها، وقيل بل يُكره وهذا مذهب الحنفية، وعند المالكية والحنابلة يحرُم لأن لها حقًّا في الولد، ولأنه يضرها([24]). ومع ذلك فإن هذه المسألة مثلًا تبيِّن وعيَ الفقهاء بالفارق بين الزواج والرق، حيث أطبقوا تقريبًا على إباحة العزل عن سُرِّيته دون إذنها بلا إشكال.

لقد تناولت المؤلفة في هذا الكتاب الأقوالَ التأسيسية للمذاهب حول مسألة الوطء والقَسم والنفقة والخلع ونحوها، على مستوى الأئمة أنفسهم، إلا أنّ في الفقه بعد ذلك توسُّعاتٍ كثيرة جرتْ، لم تتعرض لها المؤلفةُ بطبيعة الحال. فقد ترتب على هذه المسألة مثلًا مسائلُ أخرى لم تتعرض لها المؤلفة، ولا ابن القيم هاهنا، حيث يترتّبُ على تلك المسألة مسألةٌ أخرى مهمة أكثر إضرارًا بالزوجة، وهو إمكان الفسخ بسبب عدمِ الوطء بسبب الغَيبة مثلًا. ليكن الوطءُ غيرَ واجب، فهل من حقِّ الزوجةِ الفسخَ كي ترى طريقَها؟ لقد اختلف الفقهاءُ في فسْخ النكاح بسبب غيبة الزوج، وذلك بسبب خلافهم في استحقاقِ المرأةِ دوامَ الوطءِ من عدمه، فمن رأى من الفقهاء أن المرأة لا يجب لها شرعًا دوام الوطء، وإنما يكفي في حقها مرة واحدة، أو لا يجب أصلًا: لم يرَ أن الغيبة سبب لفسخ النكاح، ومن رأى أن من حقها استدامة الوطء، كالمالكية والحنابلة، رأى أن لها الفسخ في حالة غيبة الزوج. فيرى الجمهور، وهم الحنفية والشافعية، والحنابلة على قول القاضي أبي يعلى، أن استدامة الوطء ليس من حقّ الزوجة، بل هو من حق الزوج، ومن ثَمَّ فليست الغيبة عندهم سببًا للفسخ([25]). أما المالكية فذهبوا إلى أن استدامة الوطء حق للزوجين، ومن ثَمَّ فهو حق للزوجة، فلو غاب عن زوجته مدة طويلة فلها طلب التفريق. وهذا هو القول الثاني المعتمد لدى الحنابلة، لكنهم استثنوا إن كان للزوج عذر، فإن لم يكن له عذر وغاب عنها مدة ستة أشهر كان لها طلب التفريق، فإن كان له عذر لم يكن لها التفريق([26])، واشترط هؤلاء الفقهاء شروطًا للتفريق بالغيبة، منها المدة الطويلة كما سيأتي، وكذا أن تتضرر المرأة بذلك الغياب، ومعناه أن تخشى الوقوع في الزنى، وأن تكون الغيبة لغير عذر كحج أو طلب علم أو رزق، وأن يكتب إليه القاضي بذلك فيأبى. وقد اختلف الفقهاء الذين يقولون بالتفريق للغيبة في مدة الغيبة التي يجوز للزوجة معها طلب الفسخ والتفريق، ولكنهم اتفقوا أن تكون مدةً طويلة. والمدة عند الحنابلة ستة أشهر فأكثر كما تقدَّم([27])، واستدلوا على ذلك بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينما كان يحرس المدينة مرَّ بامرأة في بيتها وهي تقول:

تطاوَلَ هذا الليلُ واسودَّ جانبُه***وطال عليَّ أن لا حبيب ألاعبه

ووالله لولا خشية الله وحده*** لحرك من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر عنها فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله تعالى، فأرسل إلى امرأة تكون معها، وبعث إلى زوجها فأقفله، ثم دخل على حفصة أم المؤمنين – رضي الله تعالى عنها – فقال: يا بنية كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: سبحان الله أمثلك يسأل مثلي عن هذا؟ فقال: لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك، قالت: خمسة أشهر، ستة أشهر، فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر، يسيرون شهرًا، ويُقيمون أربعة أشهر ويسيرون شهرًا راجعين([28]). وذهب المالكية في المعتمد أن المدة سنة أو أكثر، واختار ابن عرفة والغرياني أن المدة يجب أن تزيد عن السنتين والثلاث([29]).

مقاربة طُغيان الجانب التعاقدي على الزواج، على الجانب الإنساني والتكافؤي فيه من جهة، ومقاربته بالرق وما فيه من ملكية مطلقة ومقيِّدة للرقيق: ظهرت آثارها في العديد من الآراء الفقهية، بحيث يمكن توجيهُ أيِّ رأي تقييدي أو مُنقِص من أهلية الزوجة أو حقوقها بأنه يؤثّر على حق الزوج في الاستمتاع – وهو مقتضى التعاقد -، أو أنه يخالف الطاعة الواجبة للزوج – وهو مقتضى المقاربة المتوسِّعة بالرق -. فعلى سبيل المثال في حين يجيز المالكية للزوجة أن تزور أهلها بالمعروف ولو من غير إذن الزوج – على تفصيل أيضًا بين الشابّة والمأمونة والمتجالّة –، وكذا الحنفية؛ فإن الشافعية وقولًا لدى الحنابلة على أنه إن نهاها لم يجز أن تخالفه. بل يصل الأمر إلى الحالات الأكثر ضرورةً، وهي حالة عيادة الوالديْن في مرضهما، وحتى شهود جنازتهما بعد الوفاة، فمع اتفاق الفقهاء هنا أنه لا يجوز له ديانةً منعها من ذلك لما فيه من العقوق وقطيعة الرحم، إلا أنه لو نهاها عن ذلك لم يجز لها الخروج عند الشافعية والحنابلة، خلافًا للحنفية([30]). وللمرأة ذِمَّة ماليّةٌ مستقِلَّة في المعاوضات، ولكنهم اختلفوا في حرية تصرفها في التبرُّعات، فقد ذهب الليث – وهو قول مروي عن أنس بن مالك – أن للزوج الحَجْرَ المطلق على زوجته فلا يجوز لها هبة شيءٍ من مالها مطلقًا ولا التصدق به، لا في الثلث ولا ما دونه إلا في الشيء التافه، وذهب المالكية وقول لأحمد أنه يجوز لها التصرف في حدود الثلث فقط، وما زاد فعلى قولين: قيل هو مأذون حتى يرده، وقيل مردود حتى يأذن فيه، وذهب الشافعية والحنفية للإباحة المطلقة وهو رواية عن أحمد، وجميع هذه الأقوال محكية عن بعض التابعين([31]).

وليس المقصود من استعراض هذه المسائل ردَّها بصورة مطلقة أو رد بعض الآراء فيها فحسب، ولكن بيان أن كثيرًا من هذه الأحكام ليست مبنيّةً على دليل قويّ في نفسه، بل إن أكثرها مبنيٌّ على مقايسات، وأعراف، وأن هناك اجتهادات فقهية قامت في الغالب على طبيعة الحياة ودور المرأة فيها، بل وطبيعتها في ذلك السياق، فضلًا عن وجود الرقّ وانتشاره كظاهرة اجتماعية وثقافية عادية ومقبولة – وهو الأمر الذي اختفى الآن -، وبعض ما ينبني من هذه الأحكام على نصوص ليست هذه النصوصُ ثابتةً ثبوتًا يرفع النزاع، ولا دلالتها أكيدة في كون هذه الأحكام لازمةً، ثم كونها لازمةً في كل حال. وذلك فضلًا عن دور الخلاف الفقهي والسجال الجدلي – أدبيات الخلافيات مثالًا –، والحرص على الاطّراد والتخريج الذي تكرَّس مع مأسسة المذاهب الفقهية: في تطوير الآراء وطردها، وهذا من الأفكار الرئيسة التي ناقشتها كيشيا عليّ في هذا النص الذي نقدِّمه، وإذا استحضرنا هاهنا ما تقدم ذكره من مقاربات القياس على الرق: فقد نتفهّم ظهورَ بعض الأقوال البعيدة بالنسبة إلينا الآن.

إلا أنّه مع اختلاف الوضع الاجتماعي للمرأة، وتطور طبيعة المجتمعات المعاصِرة عمومًا؛ أليس من المنبغي أن تقوم مقاربات فقهية اجتهادية جديدة تتعلق بالأسرة، تنطلق من النصوص الشرعية الواضحة وروحها وقواعدها الكبرى، تبعُد رويدًا رويدًا عن مقاربات الرق والتوسُّع في التعاقد، وتفعِّل المساحة الأساسية للتوادّ والتراحم والتعاون والتكافؤ – «شخصان متكافآن» بعبارة ابن قدامة التي تقدَّم نقلُها – وتعظِّم من مبدأ: «لهن مِثْلُ الذي عليهنّ بالمعروف»، واقعًا في الأحكام المتعلقة بالزواج، مع مراعاة الخصوصيات الشرعية الثابتة للطرفيْن ثبوتًا واضحًا لازمًا – «الرجال قوَّامون على النساء»، «وللرجال عليهن درجة» -، وليس بمحض أعراف المجتمعات القديمة، أو المقاربات التشريعية التي ذكرناها بالرق أو التعاقد كمسوِّغ تشريعي كبير، وإعطاء مساحةٍ لمسوِّغات تشريعية مساعِدة أخرى مستقاة من طبيعة الوضع الاجتماعي ودور المرأة الأكبر حاليًا([32])، وليكن: النائب، أو الوكيل، أو الشريك، بحسب الأدوار الأُسرية والاجتماعية للمرأة؟

(5)

استعرضنا سابقًا شيئًا مما قُلنا إنه الجانبُ السلبي من المسوِّغ التشريعي لمقاربة النكاح والرق، ذلك الجانب الذي تمثَّل في التوسُّع والتمادي في المقاربة، وترسخ ذلك الجانب التشبيهي في جانب، ليطغى على بقية الجوانب، ولنجد بالفعل توسُّعًا لدى بعض الفقهاء في إسقاط أحكام العبيد على النساء. وقد تقدَّم قريبًا نصّ بعضهم أن النكاح ضربٌ من الرِّقّ، ثم ترتيب حكم عليه، وهذا نوعٌ من الخلفية المفهومية التي ترسَّخت، ثم ترتب عليها حكم تشريعي، فهذا نموذجٌ يجمعُ بين الإشكاليين السلبيين للمسوّغ التشريعي والمفهوم القيمي لمقاربة النكاح بالرق في الفقه.

يتمثل الجانب السلبي الآخر إذن في التمادي القيمي، وهذا يدخلنا في جانب القيمة والفلسفة والمفهوم، بمعنى أن هذه المقاربة التي هي تشريعية في الأساس، مع استمرارها؛ تأخُذ أبعادًا قيمية ومفهومية، تجعل المرأةَ في نفس الأمر في مرتبةٍ مقاربة لمرتبة الرقيق، وتقلّ قيمتها كإنسان.

وهذا الجانب السلبي للترسخ والتعمق، والانتقال من الفعالية الوصفية للمقاربة إلى ذاتية التعامل هو ما أشارت إليه المؤلفة ببراعة إذ تقول: «إن الاهتمام بالفعالية الوصفية، بدلًا من رؤية المحاولة المتعمَّدة لإخضاع الإناث؛ قد يساعد في تفسير الأقيسة المتكررة بين الزواج والشراء، أو الطلاق والعتق، إلا أنه بمجرد دخول هذه المقاربات في حيِّز الاستخدام، فإنها تصبح ذاتيةَ الاستدامة. إنَّ التقريب المستمر بين الزوجات والإماء، وبين الأزواج والسادة، قد تسبَّب في وجود أفكار مترسِّخة بعُمق حول القوة الذكورية والسلبية الأنثوية فيما يتعلق بالزواج والجنس».

لقد أشارت المؤلفة في هذا السياق بذكاء إلى معالجة جايل لابوفيتز Gail Labovitz – في دراسةٍ لها عن الزواج في الفكر الفقهي اليهودي الرَّباني – والتي استعانت بدورها بكتابٍ لـ جورج لاكوف George Lakoff ومارك جونسون Mark Johnson بعنوان: الاستعارات التي نحيا بها Metaphors We Live By، وكذلك بالأعمال التأسيسية لفيلسوف التأويل والهرمنيوطيقا الشهير بول ريكور Paul Ricoeur، لتشرح كيف أن الاستعارة هي وسيلة لفهم الواقع، كما أنها أيضًا وسيلة للتأثير في الواقع.

نقول إنه مع مرور الزمن، والاستعمال، والإحالة: تغدو الكلمات علاماتٍ، وبحسب أن «التعريف المبدئي للعلامة (السيما) هو قدرتها على استدعاء شيء آخر»([33])، فإنه مع الوقت تُصبح الزوجة بمثابة العلامة (السيما) التي تُحيل في ذهن المستمع – سواء أكان الفقيه أو الزوج – إلى معنى آخر ومفهوم آخر، وهو الرقيق أو الأمَة.

تصبح هذه (الاستعارة) للرقيق لأجل التعبير عن الزواج خالقةً لخطابٍ سردي بالمعنى الريكوري الدقيق للخطاب السردي. حيث «يشكل الخطاب السردي مجموعةَ مفاهيم غير متجانسةٍ معًا في الخطاب، ليموضع أفعالًا في الزمان حيث لا يحدث شيءٌ تاليًا لشيءٍ آخر فحسب، ولكن بسببِه، في قصّةٍ أو تاريخ تتابعي»، إنه خطاب مكوَّن من خلفيات واسعة حول الرق والزواج، ينسجمان معًا لتكوين خطاب سردي واحد من عناصر ليست منسجمة بنفسها في الضرورة، «فالاستعارات الحية نتاج لجمل، وليست مجرد إحلال كلمة محل أخرى لمجرد تأثير زخرفي أو بلاغي، إنها تستهدف نوع من التلاعب في الإسناد “ميل مجازى. وخلافا للقضايا المنطقية التي تقول إن الشيء يكون أو لا يكون، فإن الاستعارة الحية تقول بأنه “يكون” ولا يكون” في وقت واحد، مما ينتج عنه إعادة توصيف الواقع»([34])، ففي الزواج وفق هذه السردية يوجد رق، ولا يوجد رق في الوقت نفسه. إن مهمة الخطاب السردي الذي بحثه ريكور: أن يمكننا عبر استخدام للغة من إضفاء معنى معين على الفعل والزمان([35]). وحيث يشكِّل النص والاستعارة التي فيه معًا خطابًا؛ تنشأ مشكلة التأويل: بالانتقال من النص إلى الاستعارة، وبالانتقال من الاستعارة إلى النص([36])، وهذا التأويل له تعيُّنان: بحسب حقل تطبيقه، وبحسب خصوصيته الابستمولوجية([37])، فلكلٍّ من الرق والنكاح مجال تطبيقي خاص به له سماته ومميزاته، وله كذلك خصوصيته المعرفية بمعنى الأدوات والوسائل المعرفية الخاصة المختلفة المتعلقة به. وهذا كله يُنتج مستويات مختلفة من الخلط التأويلي، تتسبب فيما تقدم ذكر بعض ملامحه من الالتباس المفاهيمي والخصائصي بين المجالين، وهو ما عاد على بعض أحكام الزواج بالسلب. إن ريكور قد أطلق على هذه الظاهرة: «المعنى المضاعف»، أي ما بين: مستوى الدلالة المعجمية، ومستوى الدلالة البنيوية، والمستوى الهرمنيوطيقي([38]) .

(6)

وكما استعنّا بنصٍ لابن القيم حول مسألة الحقوق الجنسية للزوجة، وكان موقف ابن القيم فيه حَسنًا، نستعين هاهنا بنصٍّ شديد ضد المرأة من الغزالي يقدِّم شيئًا من هذه التصورات السلبية العامة والازدرائية تجاه النساء.

يقول في سياق آداب التعامل مع النساء – وهو سياق طويل ينبغي الرجوع إليه -: «ألَّا يتبسَّطَ في الدعابة وحسن الخلق والموافقة باتباع هواها إلى حدٍّ يُفْسد خُلُقَها ويسقط بالكلية هيبته عندها([39])، بل يراعي الاعتدال فيه فلا يدع الهيبة والانقباض مَهْمَا رأى منكرًا، ولا يفتح بابَ المساعدة على المنكرات البتة، بل مهما رأى ما يخالف الشرع والمروءة؛ تنمَّرْ وامتعض.

قال الحسن: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبَّه الله في النار([40]). وقال عمر رضي الله عنه: خالفوا النساءَ فإنَّ في خلافهن البركة([41]). وقد قيل: شاوروهن وخالفوهن. وقد قال صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الزوجة([42]). وإنما قال ذلك لأنه إذا أطاعها في هواها فهو عبدها وقد تعس؛ فإن الله مَلَّكَه المرأة فمَلَّكَها نفسَه، فقد عكَسَ الأمْرَ وقَلَبَ القضيّةَ، وأطاع الشيطان لما قال: {ولآمرنهم فليغيرن خلق الله}؛ إذ حق الرجل أن يكون متبوعاً لا تابعاً، وقد سمَّى اللهُ الرجالَ: {قوامين على النساء}، وسمَّى الزوجَ سيّدًا، فقال تعالى: {وألفيا سيدها لدى الباب}، فإذا انقلب السيّدُ مُسخّرًا؛ فقد بَدَّلَ نِعْمةَ الله كفراً. ونَفْسُ المرأةِ على مِثَال نَفْسِك، إن أرسلتَ عنانها قليلًا؛ جمحَتْ بك طويلًا، وإن أرخيتَ عِذَارها فترًا، جذبتْك ذراعًا، وإن كبحتَها وشدَدْتَ يدَك عليها في محل الشِّدَّة؛ مَلَكْتَها.

قال الشافعي رضي الله عنه: ثلاثة إن أكرمتَهم أهانوك، وإن أهنْتَهم أكرموك: المرأة والخادم والنبطي. أراد به إن محَّضْتَ الإكرامَ، ولم تمزج غلظك بلينك وفظاظتك برفقك.

وعلى الجملة فبالعدل قامت السماوات وَالْأَرْضُ، فَكُلُّ مَا جَاوَزَ حَدَّهُ؛ انْعَكَسَ عَلَى ضِدِّه، فينبغي أن تسلُكَ سبيلَ الاقتصاد في المخالفة والموافقة، وتتبع الحقَّ في جميع ذلك؛ لتسلم مِن شَرِّهنَّ؛ فإن كيدَهُنَّ عظيم، وشرَّهُنَّ فَاشٍ، والغالب عليهنّ سُوءُ الخُلُقِ ورَكَاكة العقل، وَلَا يَعْتَدِلُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ إِلَّا بِنَوْعِ لُطْفٍ ممزوج بسياسة. وقال صلى الله عليه وسلم مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم بين مائة غراب([43])، والأعصم يعني الأبيض البطِن.

وقد قال صلى الله عليه وسلم في خيرات النساء: إنكن صواحبات يوسف. يعني: إنّ صَرْفَكُنَّ أبا بكر عن التقدم في الصلاة؛ مَيْلٌ مِنْكنّ عن الحقّ إلى الهوى. قال اللهُ تعالى حين أفشين سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}، أي مالت، وقال ذلك في خير أزواجه. وقال صلى الله عليه وسلم: لا يفلح قوم تملكهم امرأة»([44]).

كما نرى في هذا النصّ الكثيف، الذي يتجّه نحو السلبية في رؤية المرأة، نقف على مجموعة مشتبكة من بعض الأعراف والخلفيات الاجتماعية، والأمثال، والكلمات الشعبية، وبعضها سياق اجتماعي أو نفسي من الرجال ضد النساء، وتعضيد ذلك بنصوصٍ عامتها ضعيف، ومخالفةٍ في أغلبها لصحيحٍ ثابتٍ، ثم إن أُورِدت أو أورِد بها على هذا التعميم السَّالب؛ جرى تأويل الصحيح لأجلها، أو اعتبار هذا الصحيح استثناءً من الأصل الشرير، أو نجد بعض المعايب الخُلُقية الصحيحة الثابتة، لكنها ليست مختصةً بالنساء، بل يوجد مِثْلُها في الرجال، وما كان مختصًّا منها بالنساء ففي الرجال معايبُ أخرى غيرها، وهكذا يقوم الحال في كل شيء، فإن الإنسان خُلق ضعيفًا، ومبنى الإنسان على الظلم والجهل كما قال الله تعالى، والنقص في الإنسان عريق وقديم، وقد يتنوّع، فتختلف مظاهر النقص في طبع بعض الناس عن بعض، سواء بين الرجال والنساء، أو في الجنس الواحدِ نفسه، ومن ثَمَّ فاستعمال هذه المعايب، وبخاصة إذا وردت في النصوص الدينية لغرض ذم النساء؛ هو مخالفة معيارية لغرض وورد هذه الصفات في النصوص، فإنها إنما وردت لأجل علاجها أو الاقتداء بالكُمَّل والكاملات في التوبة منها والتراجع عنها وإصلاحها، أو لأجل التوصية بأصحابها كي يُرفَق بهم ويُحسن إليهم([45]).

ومن هنا ترى ما في استدلال الغزالي بورود أخطاء بعض الكاملات كأمهات المؤمنين في الوحي، وفي حديث النبي؛ لأجل بيان أن سائر النساء أشد نقصًا وأولى بالنقص، وليس هذا في نفسه مما يُنازَع فيه: أي المعنى الذي يقول: إن وقوع الفاضل في الخطأ دال على نقص الإنسان، وأن غيره أولى منه بالخطأ. ولكن هل الغرض القيمي الذي ورد لأجله ذلك في النصوص الصحيحة الثابتة هو إثبات النقص على الإنسان أو نوعٍ من الإنسان فقط، فضلًا عن ذمِّه وتعييره بهذا النقص؟ الجواب: لا. إن الغرض القيمي الذي ورد لأجله ذلك في القرآن ليس ذمّ جنس النساء والاستدلال بالأولوية على سوء سائر النساء، كما ساق الغزالي هاهنا، ولكن المقصود – في آية عائشة وحفصة – دعوتهن إلى التوبة وإظهار فضيلة النبي – وهذا الثاني أجنبي عن البحث هنا -. وهو يدلّ بطريق الاقتداء على حثّ النساء على التوبة، وعدم القنوط أو اليأس من عفو الله ومغفرته. وذلك يُقال مثله في إظهار الحق تعالى في القرآن أخطاءَ بعض الأنبياء، وهم الكُمَّل من البشر – ومن الرجال – كي يُعلم أن كل بني آدم خطّاء فلا يقنط العاصي، وكي يكونوا قدوة للناس في التوبة فإن خير الخطائين التوابون، ولذا لم تُذكر معصية نبي إلا ومعها توبته. قال الحسن البصري: «كانت الأنبياء تذنب فتعاقب»([46])، وقال ابن عباس: «كانوا بشرا ضعفوا ويئسوا»([47])، وقال الحسن: «إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء في القرآن ليعيرهم بها؛ ولكن ذكرها ليبين موقع النعمة عليهم بالعفو، ولئلا ييأس أحد من رحمته»([48]). فكذا ما ورد في أخطأ بعض الفاضلات من النساء، فالمراد به ألا يقنط غيرهن، وأن يكنّ قدوة في التوبة ومراجعة الحق، وليس التعيير أو الذمّ، فهذا فرق قيمي هائل. والحقيقة إنني حين قرأت هذا البحث للغزالي، منذ نحو عشرين عامًا الآن، قد وردني سؤال وددتُّ لو تمكّنت أن أطرحه عليه: أليس ثَمَّ أمثلة أخرى على إجادات النساء وإحسانهن، ما بين مربِّيات مضحِّيات، وصالحات عابدات، وعالمات وشيخات محدّثات وقارئات وفقيهات، وذكيّات سياسيات، يكثر ذكرهن في كتب التراجم([49]) كان من الممكن إيرادهن في هذا المقام كي تعتدل كِفَّتا الميزان بعض الشيء؟

(7)

أختم أخيرًا بملاحظة منهجية كلية على هذا النوع الذي تندرج ضمنه مثلُ هذه الكتابات النِّسوية النقدية، وهي انطلاقُها من منظور الحقوق الإنسانية بالمعنى الغربي الليبرالي المساواتي. وبصفةٍ عامة، وكما أشرنا من قبل، فإن المفهوم الإسلامي لحقوق الإنسان ليس مفهومًا مساواتيًّا بالمعنى الغربي الليبرالي، الذي يرتكز في نشأته على مفاهيم فلسفية وتاريخية ولاهوتية معينة لا يمكن الغفلة عنها حين مناقشة هذا الموضوع، أو ادعاء أنها حقوق تنطلق من منظور قيم كونية كوزمولبولياتنية أو متجاوزة أو محل إجماع إنساني تاريخي قديم أو معاصر. إن المفهوم الإسلامي لحقوق الإنساني هو مفهوم تراتبي هرمي، كسائر مفاهيم حقوق الإنسان عبر التاريخ ما قبل الحديث – والحديث هنا المقصوج به الحديث الليبرالي الغربي، وإلا فليس كل المفاهيم الإنسانية للحقوق المعصرة مفاهيم غير هرمية. فثمة تراتبات طبيعية وكَسبية في التصور الإسلامي للكون، سواء بين الإنسان والحيوان([50])، أو بين بعض أنواع الإنسان، طبيعيًّا كما بين الرجل والمرأة والراشد والصغير والعاقل والمجنون، وكسبيًّا كما بين المؤمن والكافر والتقي والفاسق والعالم والجاهل، وهكذا. ويجمع الإسلام بعدالةٍ مطلقة بين هذه التراتُبيات العامة، وبين ما تقتضيه من أحكام خاصة، وبين العدل والإنصاف على مستوى الأفراد داخل هذه الهرمية، بحيث لا يُظلم الإنسان بما لم تكتسبه يداه أو ليس له فيه اختيار، أو يُجار على مجموعة حقوقٍ أساسية له، لا يجوز الانتقاص منها([51]).

تقع أكثر الدراسات الدينية النسوية في إشكالاتٍ بسبب غفلتها عن هذا التقرير، وانطلاقها من منطق حقوق الإنساني المساواتية الليبرالية الغربية. ومن ثَمَّ ورد في هذا الكتاب أيضًا بعض المبالغات – وهي قليلة للإنصاف – في بعض النواحي الجندرية والحقوقية بسبب هذا المعيار المختلف للنظر والتحليل ومن ثَمَّ التقييم والنقد.

يجب أن تعيَ المنظورات الحقوقية أن هناك تعدُّدًا في مفاهيم حقوق الإنسان، ولا مفر من هذا الوجوب للوعي بالتعدد لأجل التعايش والاستمرار، فإن التنازل المطلق عن قِيم الإسلام التراتبية الهرمية لن يحدث، لأنه لا يصح دينيًّا، ولا يمكن ثقافيًّا. إن هناك بديلًا أنفع وأصلح للجميع، وهو التعاون مع الخطابات المختلفة لأجل إقرار حدٍّ أدنى متفق عليه من الحقوق الأساسية للإنسان، ومن ضمنها حقوق المرأة، مثل الحق في الحياة، والتعليم، والكفاية الاقتصادية، والحماية من الاعتداء، ونحوها من الحقوق، وساعتها ستجد كثيرٌ من الخطابات النسوية التي تنطلق من مفاهيم الحقوق الليبرالية المساواتية أن في الدين ملاذًا روحيًّا مقنعًا لمليارات البشر بحقوق نِسوية عظيمة، قد سحقتها كثيرٌ من المجتمعات المتدينة وغير المتدينة([52]) على حدّ سواء بدافع الرغبات الذكورية التسلطية والدوافع الاقتصادية والطغيان السياسي، وأعتقد أنّ في هذا مكسبًا كبيرًا للمرأة وللخطابات النسوية يمكن لأجله التنازل عن الأوهام المستحيلة لتحقيق إحلالٍ كامل لقيمِها العدلية المساواتية محلّ القيم الإسلامية العدلية التراتبية. إن هذا المنطلق شبه البرجماتي قد يكون أنفعَ أيضًا من الجهود الفلسفية للكفاح في مناقشة أيهما أجدى فلسفيًّا: المنطق المساواتي، أم المنطق الهرمي؛ لأنه لن يصل إلى نتيجةٍ عملية نظرًا لارتباطه بقناعات دينية في نهاية المطاف، لا يمكن التخلي عنها ما لم يجرِ التخلي عن الدين نفسه كليًّا أو جزئيًّا، وهذا مجالٌ آخر لا يمكن للمؤمنين المشاركة فيه.

ليس هذا المنطق غريبًا ولا متعذّرًا، بل له وجودٌ في الساحة الفلسفية في الأبحاث المتعلقة بالعدل، وبخاصة الأبحاث الفلسفية السياسية – ألا نلاحظ أن هذا يرجع بنا لسؤال البرجماتية الأجدى من الفلسفة النظرية مجددًا -. أقصد هنا النظرية الشهيرة الملهمة لجون راولز عن «العدالة بوصفها إنصافًا»([53]). انطلق راولز في فكرته عن العدالة كإنصاف من الحقيقة الثابتة لتعددية ثقافات الشعوب وخلفياتها القيمة، ومن ثَمَّ اقترح مفهومًا أسماه: حقوق إنسان مناسبة Human Rights Proper، وهي الحد الأدنى والضروري من شروط العدل التي ينبغي أن تُطبَّق على البنية الأساسية ﻷي مجتمع محكم التنظيم، حتى وإن كان هذا الحدّ الأدنى لا يستوفي معايير حقوق الإنسان من وجهة النظر الليبرالية، وهذه الحقوق أساسية لأي «فكرةٍ عن العدل وخيره العام»([54])، ومن ثَمَّ فإنها ليست حقوقًا «ليبرالية ولا خاصة بالتقليد الغربي»([55]). طرح راولز بوضوح فكرة وجود نمطيْن من المجتمعات، أو نظامين، نظام ليبرالي، ونظام هرمي «محترم»، أي أنه يتسم بالعدالة أيضًا وليس ظالمًا مستبدًّا أو وحشيًّا. ومن هنا طرح راولز فكرة «قانون الشعوب»([56])، الذي يمثل تطبيقُا لفكرة: الحد أدنوية Minimalist (الإنسانوية Humanitarianism) في مقابل الحد أقصوية maximalist (الكوزمبولياتينة المساواتية ؤosmopolitan Egalitarianism).

إن أهم هذه الحقوق المناسبة، والحد أدنوية، التي تعتبر جزءًا أساسيًّا من فكرة قانون الشعوب: «الحقُ في الحياة -الحق في تحصيل وسائل العَيْش والأمن-/ والحق في الحرية – حق التحرر من العبودية والرق والاحتلال القسري، والحق في قدر كاف من حرية الضمير لضمان حرية الاعتقاد والفِكر-/ والحق في التملُّك الشخصي/ والحق في المساواة الصورية، كما تقتضي أحكام العدل الطبيعي – بمعنى أن القضايا المتشابهة تُعامَل معاملةً متشابهة»([57]). هذه الحقوق ليس كليةً شاملةً كما تفترض الليبرالية الغربية، أو كما تشدِّد عليها إعلانات حقوق الإنسان المزعومة([58])، بل هي خلاصة اتفاق أغلب الشعوب على نوع من حقوق الإنسان «المناسبة».

تمثِّل حقوق الإنسان بالمفهوم الحدأدنوي إذن جزءًا جوهريًّا من «قانون الشعوب» التي يراعيها كلٌّ من النظامين الليبرالي والهرمي المحترم، وهي «نوع مناسب من الحقوق»([59])، تقوم على أساس العدل كإنصاف وليس كمساواة فحسب، ومن ثَمَّ فهي تختلف عن التصورات التي «توسِّع مفهوم حقوق الإنسان فقط، بحيث تشمل جميع الحقوق التي تكفلها الحكومة الليبرالية»([60]).

فعلى سبيل المثال، يجعل راولز من هذه الحقوق المناسبة ضمن قانون الشعوب: وجوب مراعاة حق الأقليات([61]). وهنا يسلِّم راولز أن مبادئ «قانون الشعوب» لا تحظر التمييز بأنواعه المختلفة في الحياتين الاجتماعية والسياسية، ولكنه يرى أن هذا لا يتناقض أن يكون للمرأة حقوقَ الإنسان الأساسية في المجال السياسي، وهي هنا في أن تحقِّق مصالحها المتمثلة في المشورة والحق في التعبير عن الرضى، ويرى أن هذا قد ينتهي «إلى إصلاحات مهمّة في مجال حقوق المرأة ودورها»([62]).

وكما ترى، فإن هذا المذكور فوق يمكن المواءمة التامّة بينه وبين الأديان عمومًا، والإسلام خصوصًا، بل إن في الإسلام من الحقوق للإنسان عمومًا، وللمرأة خصوصًا، ما هو أعظم من ذلك بكثير، وعلى خير وجهٍ وأتمّه وأوفاه، وأعدله وأرفقه. وإن التوافُق على مِثل هذه الأرضية لهو خير سبيلٍ لإرساء العدل وتحقيقه في الواقع، بدلًا من المناكفات الأيديولوجية، والمحاولات المحمومة للإلغاء والإقصاء من الطرفين.

عمرو بسيوني


([1]) المغني لابن قدامة، (7/ 296).

([2]) تحظى سردية: من الفتيا إلى القضاء إلى التأليف إلى الدراسة، ثم العكس، كسيرورة دائرية للفقه الإسلامي؛ بواقعية وصدق بالنسبة إليّ، وهي تحظى برواجٍ الآن أيضًا في الدراسات الأكثر تطوُّرًا للفقه الإسلامي في الأكاديمية الغربية، وقد سبق إلى الإشارة إليها وليُّ الله الدهلوي من قبل.

([3]) ولا أسخر من ذلك هنا: ولكن أتمثّل دور المنظور المثالي غير الواقعي الذي قد يلبس مسوحًا جندرية وحقوقية الآن في هذا العصر.

([4]) ومعرفة طرق العرب في التعبير بابٌ واسعٌ من أبواب الفقه في الدين، من حُرِمه حُرم علمًا كثيرًا. وقد قال الجاحظ كلامًا نفيسًا: «النبي – صلى الله عليه – قد يتكلم بالكلام المعروف المعنى عند من حضره، فإذا نقلوا الكلام وتركوا المعنى التبس على العابرين وجه المعنى فيه». وحين تكلَّم الطحاوي عن استشكال الوارد أن «أشقى الناس» من يقتل عليًّا من الخورج – ابن ملجم -، وأن هذا قد يتعارض مع كون المشركين والملحدين أشقى من الخوارج، فبعد أن أجاب بحمْل ذلك المبالغة والتوسُّع في العبارة، قال: «وهذا لسعة اللغة ولعلم المخاطبين بذلك مرادَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما خاطبهم به فيه»، شرح مشكل الآثار، (2/287).

([5]) لنا أن نتخيل قائلًا يقول إنه يلزم من تشبيه: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر»، أن الله تعالى على هيئة القمر استدارة وصورة وحجمًا إلخ في حين أن المقصود في الحديث تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، وكذلك ليس تشبيه الرؤية بالرؤية بتمامها من كلِّ وجه، ولكن في معنى الوضوح للجميع وعدم الاختلاف.

([6]) أي الشرع المنزَّل، وفق التقسيم الثلاثي الذي نلهج بذكره للمفهوم الاستعمالي للشرع عند ابن تيمية: الشرع المنزَّل (الوحي)، والشرع المؤوَّل (اجتهاد العلماء في فهم الوحي)، والشرع المبدَّل (الخطأ القطعي في فهم الوحي).

([7]) الهداية في شرح بداية المبتدي، (1/ 185).

([8]) الكاساني، بدائع الصنائع، (2/334).

([9]) النووي، منهاج الطالبين، (ص: 283)، وانظر: الشربيني، مغني المحتاج، (5/330).

([10]) ابن العربي، أحكام القرآن، ط العلمية، (1/93)، ونقلها ابن القرطبي في تفسيره أيضًا، (2/249). وسياق العبارة كاملة في القصاص بين الزوجين: «فإن قيل: إذا قتل الرجل زوجه لِمَ لَمْ تقولوا: ينتصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج كما انتصب النَّسب الذي هو فَرْعُه شبهةً في درء القصاص عن النسب؛ إذ النكاح ضرب من الرق، فكان يجب أن ينتصب شبهة في درء القصاص. قلنا: النكاح ينعقد لها عليه كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها، ويحل لها منه ما يحل له منها، وتطالبه من الوطء بما يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامية التي جعلها الله له عليها بما أنفق من ماله، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة، فلو أورث شبهة لأورثها من الجانبين». والمقصود أن كلًّا من ابن العربي، والقرطبي، لم يدفعا هذا القياس بدفع الجامع في القياس [المسمَّى باللسان الأصولي: قادحُ مَنْع ِوجود الوصف في الفرع، أو قادح المعارضة في الفرع] الذي هو كون النكاح ضربًا من الرق أصلًا، وإنما دفعا بالفارق المؤثّر، مع تسليم مقتضى قياس أو تدليل المخالف [المسمَّى باللسان الأصولي: قادح القول بالموجَب]، بخلاف صنيع ابن قدامة الذي نقلناه فوق.

([11]) المغني لابن قدامة، (8/ 287).

([12]) كشاف القناع، (5/409). وانظر: البحر الرائق، (7/270)، والفواكه الدواني، (2/23)، والبجيرمي، (4/110). ولهذا التأصيل علاقة جوهرية بالطبيعة التعاقدية للزواج كما لا يخفى.

([13]) هذا من حيث الجملة مذهب الشافعي.

([14]) هذا مذهب الحنفية، وذلك قضاء، أما ديانة فيستحب عندهم ألا يهمل جماعها.

([15]) هذا المشهور في مذهب أحمد، وهو من مفردات المذهب.

([16]) وهذا أيضًا قول في مذهب الحنابلة، وقولٌ آخر أنه يجب عليه أن يطأها بقدر كفايتها ما لم يضر به في بدنه أو معيشته. وهو اختيار ابن تيمية. وقد يدخل في قول مالك من حيث الجملة، أن للمرأة حقًّا في الوطء، ولكن لم يرد عنه تعيين مدة. وثمة قولٌ آخر لم يورده ابن القيم، وهو أنه يجب أن يطأها في كل طهرٍ مرةً وإلا كان عاصيًا، وهو قول ابن حزم.

([17]) روضة المحبين ونزهة المشتاقين، (ص: 215- 217).

([18]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، (32/271).

([19]) يمكن الرجوع للإنصاف، (8/354).

([20]) الأم، (5/204).

([21]) الأم، (5/202).

([22]) المدونة، (2/191).

([23]) المغني، (7/308).

([24]) انظر: بدائع الصنائع، (2/334)، وحاشية الدسوقي، (2/266)، وروضة الطالبين، (7/205)، وكشاف القناع، (5/189).

([25]) انظر: حاشية ابن عابدين، (3/590)، وقليوبي وعميرة، (4/51)، وكشاف القناع، (5/193).

([26]) انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (2/339)، ومطالب أولي النهي، (5/267).

([27]) انظر: مطالب أولي النهي، (5/267).

([28]) انظر: المغني لابن قدامة، (7/305).

([29]) انظر: لوامع الدرر في هتك أستار المختصر، (7/373- 374).

([30]) انظر: مجمع الأنهر، (1/395)، وحاشية ابن عابدين، (6/141)، وحاشية الدسوقي، (2/512)، ومواهب الجليل، (4/186)، ومغني المحتاج، (3/432)، والشراوني، (7/456)، والإنصاف للمرداوي، (8/361).

([31]) انظر: المحلَّى، (8/310)، والاختيار، (3/91)، والمدونة، (4/124)، ومواهب الجليل، (5/97)، والمجموع، (12/378)، والمغني، (4/348).

([32]) ومع ذلك ينبغي أن نكون واعين بأن دور المرأة الفعلي ومكانتها في الواقع لم تكن متراجعةً أو خاضعةً كما قد نظنّ، وأن نكون حذرين من محاولة تصوُّر وضع النساء الفعلي بناءً على الأحكام النظرية المقررة في المتون الفقهية أو الفتاوى، باعتبار أنه من المعروف أن الفتاوى غيرُ مُلزِمةٍ من الناحية الواقعية. ثمة دراسات مُقنِعة الآن اعتمدت على السجلات القضائية لأماكن إسلامية مختلفة في عصور متنوعة، بيَّنت أن المرأة كانت تحصل على حقوق واسعة جدًّا في الزواج والمهر والطلاق والخلع، بما يتجاوز نظريًّا كثيرًا من الأحكام المدوَّنة في الكتب. ولكن المقصود أن هذا مسوِّغٌ أفضل لتطوير هذه الأحكام، لأن وجودها مع عدم انطباقها على الواقع غير مفيد، بل ربما يكون ذريعةً لأضرار ما في مرحلة أخرى لاحقة.

([33]) سيزا قاسم، القارئ والنص: العلامة والدلالة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (2014)، القاهرة، (ص: 202).

([34]) د. ديفيد بيلار وبرنارد داونهاور، بول ريكور، موسوعة ستانفورد للفلسفة، ترجمة: محمد رضا، متاح على موقع مجلة حكمة.

([35]) المرجع نفسه.

([36]) بول ريكور، مقالات ومحاضرات في التأويلية، ترجمة: محمد محجوب، المركز الوطني للترجمة، دار سيناترا، (2013هـ) تونس، (63 -65).

([37]) المرجع نفسه، (63).

([38]) بول ريكور، صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة: منذر عياشي، دار الكتاب الجديد، (2005)، بيروت، (97-115).

([39]) لا شكّ أن المبالغة في عامة الطبائع مذمومة، وكلا طرفيْ قصد الأمور ذميمٌ. ولكن العجيب أن الغزالي نفسه قدَّم هذا الكلام بكلامٍ عن مفاكهة الزواج ومداعبتها وملاطفتها، ذكر فيه مسابقة النبي لعائشة، وإراءَتَها رقصَ الأحباش ونحو ذلك.

([40]) وهذا فيما إذا كانت الهوى في معصية، أما إن كان في المباح فلا شيءَ في ذلك، بل هو من تمام الرجولة وحُسن العشرة والإحسان، وقد أخرج مسلم، في صحيحه (1213)، قال جابر: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا سهلًا، إذا هويت [عائشةُ] الشيءَ تابعها عليه». وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

([41]) لم أقف عليه إلا في مسند ابن الجعد، بإسناد ضعيف. وفي الباب مجموعة من الأحاديث المرفوعة والآثار الضعيفة والواهية، جمعها السخاوي في المقاصد الحسنة ط الخشت، تحت رقم (585). وعقَّب قائلًا، (ص: 401): «وقد استشار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم سلمة رضي اللَّه عنها كما في قصة صلح الحديبية، وصار دليلا لجواز استشارة المرأة الفاضلة، لفضل أم سلمة، ووفور عقلها، كذا قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلا أم سلمة، كذا قال: وقد استدرك بعضهم عليه ابنة شعيب في أمر موسى عليهما السلام، في آخرين»! وحول منهجية التعامل مع هذه النصوص إذا كانت ثابتةً عن بعض السلف، حبَّذا الرجوع إلى تقديم كتاب: بنات إبراهيم، خصوصًا: (ص:38- 44).

([42]) لا أصل له كما قال العراقي في تخريجه.

([43]) حديث ضعيف بهذا اللفظ، رواه الطبراني. وفي سنن النسائي ومسند أحمد: «لا يدخل الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان» ورجاله ثقات، وهذا من جنس الوارد في قلة أهل الجنة في أهل النار عمومًا، كما في حديث آدم عليه السلام الذي رواه البخاري وغيره: إِن الله يَأْمُرك أَن تخرج من ذريتك بعثاً إِلَى النَّار. قَالَ: يَا رب، وَمَا بعث النَّار؟ أرَاهُ قَالَ: من كل ألفٍ تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين، فحينئذٍ تضع الْحَامِل حملهَا، ويشيب الْوَلِيد، وَترى النَّاس سكارى وَمَا هم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد، فشقَّ ذَلِك على النَّاس حَتَّى تَغَيَّرت وُجُوههم، قَالُوا: يَا رَسُول الله، أَيّنَا ذَلِك الرجل؟ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من يَأْجُوج وَمَأْجُوج تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ، ومنكم وَاحِد. ثمَّ أَنْتُم فِي النَّاس كالشعرة السَّوْدَاء فِي جنب الثور الْأَبْيَض، أَو كالشعرة الْبَيْضَاء فِي جنب الثور الْأسود، وَإِنِّي لأرجو أَن تَكُونُوا ربع أهل الْجنَّة، فكبَّرنا، قَالَ: ثلث أهل الْجنَّة، فكبَّرنا. قَالَ: شطر أهل الْجنَّة، فكبَّرنا.

([44]) الغزالي، إحياء علوم الدين، (2/44- 45) باختصار.

([45]) حول هذه المعاني، وبعض الأمثلة عليها، انظر مقدمة بنات إبراهيم، (41-42).

([46]) تفسير الطبري، ط هجر، (16/18).

([47]) المصدر نفسه، (13/393).

([48]) تفسير السمعاني، (3/22).

([49]) وقد أُفْرِدت العديد من الكتب في تراجم النساء المتميزات في العصر الحديث، ككتاب الدر المنثور في طبقات ربات الخدور للعاملي، وأعلام النساء لكحالة، والمرأة ونقل المعرفة الدينية لأسماء سيد (مترجم)، وصدرت أخيرًا موسوعة للدكتور محمد أكرم الندوي، بعنوان: الوفاء في أسماء النساء (المحدثات) في أكثر من خمسين مجلدًا.

([50]) وما زال هذا التراتُب يحتفظ بتماسكه في العصر الحديث، حتى الآن على الأقل، وإلا فإن جماعات حقوق الحيوانات المتطرفة تنادي بمساواة مطلقة بين الإنسان والحيوان، وتعتبر التراتب بين الإنسان والحيوان بنية تاريخية ثقافية أيضًا وليست وجودية أو منطقية. ومن يدري ماذا سيكون شكل الحوار حول ذلك في المستقبل!

([51]) فيما يتعلق بالتراتبية بين الرجال والنساء في المنظور الإسلامي، والتفريق بين الطبيعي والكسبي فيها، ارجع إلى مقدمة بنات إبراهيم، (29- 34).

([52]) لستُ في معرض بيان أن المجتمعات الغربية تعجّ بمظالم نسوية، وتشهد الكثيرَ من حقوق النساء المهدرة، فرغم كل ما في الغرب من دعوات المساواة الليبرالية إلا أنَّ واقعَ النساء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ما زال يعاني من خلل جوهري. أكتفي فقط بالإشارة لمجال الاستغلال الجنسي للمرأة وتسليعها دعائيًّا وإعلانيًّا، وأحيل القارئ للعمل المرجعي في ذلك الموضوع: Carol J. Adams, The Pornography of Meat، وليكن الطبعة الجديدة: The Pornography of Meat: New and Updated Edition, 2nd, Bloomsbury Academic.

([53]) لقد طرح حول ذلك في كتابه:A Theory of Justice (Revised Edition). Harvard University press, 1999 ، لكن الأطروحة المركزية في كتابه المعروف: Rawls, John. Justice as Fairness: A Restatement. Harvard University Press, 2001.، ومع ذلك فإننا نرجع إلى كتابه قانون الشعوب: The Law of Peoples. Cambridge: Harvard University Press, 1999. الذي طرح فيه الأساس النظري لنظريته حول العدل كإنصاف. ولاستعراض أهم الأفكار التي طرحها راولز في هذا الكتاب ونقدها، يمكن الرجوع إلى: Martin, Rex and Reidy, David. eds., Rawls’s Law of Peoples: A Realistic Utopia. Blackwell Publishing, 2006. أو بشكل مختصر: Beitz, Charles.“Human rights and the law of peoples,” in D.K Chatterjee, ed., The Ethics of Assistance: Morality and the Distance Needy. Cambridge University Press, 2004. pp.193-214. ويصدر قريبًا عن مركز نهوض للأبحاث والدراسات دراسة مفصّلة عن حقوق الإنسان في الإسلام من منظور العدالة بوصفها إنصافًا لراولز، بعنوان: الإسلام وحقوق الإنسان: البحث عن إجماع متقاطع، تأليف: حسين هوشمند، وهو في أصله أطروحة دكتوراه من جامعة كونكورديا (2010).

([54]) Law of Peoples, p. 61.

([55]) Ibid, p. 65.

([56]) إن فكرة قانون الشعوب قديمة في التصور الغربي، حيث كانت تطلق لدى الرومان على القوانين التي تُطبق على الأمم الأخرى وليس الرومان، وكانت تطلق في فترة لاحقةً باعتبارها نوعًا من القانون العالمي الذي ينطبق على الجميع. ويعيد راولز تأهيل هذا المصطلح دمجًا بين المفهومين السلفين إذن، في سبيل تحقيق حد أدنى من حقوق الإنسان.